تشهد دولة قطر تحولاً جذرياً في قطاع النخيل والتمور، حيث انتقلت هذه الثمرة من كونها مجرد محصول تقليدي مرتبط بالتراث، لتصبح ركيزة أساسية في استراتيجية الأمن الغذائي الوطني وأيقونة تجارية تجمع بين عبق الماضي وتكنولوجيا المستقبل.
والمشهد الحالي للتمور في قطر يعكس حالة من الازدهار غير المسبوق، مدفوعاً بتوجيهات قيادية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز السيادة الغذائية عبر رؤية قطر الوطنية 2030.
وتكشف البيانات الحديثة عن نمو مطرد في الإنتاج المحلي، وتنوع ثري في الأسواق التي تستقطب أجود ما تنتجه واحات العالم، مما جعل من الدوحة مركزاً إقليمياً لتجارة “الذهب البني”.
الجذور الثقافية والتاريخية
لا يمكن فهم قطاع التمور في قطر بمعزل عن البعد الرمزي والحضاري الذي تمثله شجرة النخيل، فهي “حارسة الزمن” التي تروي حكايات الصمود في قلب الصحراء.
وارتبطت النخلة في المجتمع القطري بالكرم والسخاء، إذ كانت وما زالت تمثل العنصر الرئيس في المجلس القطري، كرمز للترحاب بالضيف. هذا الارتباط الوثيق لم يتأثر بالحداثة، بل تعزز بفضل الوعي الجمعي بأهمية هذه الشجرة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، مما جعلها جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية القطرية.
توزيع غابات النخيل في قطر والاهتمام الرسمي والشعبي بها يظهر أن النخلة ليست مجرد شجرة تثمر تمراً، بل هي “أمير الحقول” و”طعام الفقير وحلوى الغني”، كما تغنى بها الشعراء. وفي هذا السياق، تبرز المبادرات الوطنية التي تسعى لتحويل المساحات الخضراء إلى واحات منتجة تساهم في التنمية المستدامة، حيث يُنظر إلى النخيل كبوابة للمستقبل وشاهد على إرادة الإنسان القطري في تحدي الطبيعة القاسية.
الخارطة الإنتاجية والإحصائية
انتقلت قطر في سنوات قليلة من الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد إلى تحقيق مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي، إذ تشير التقارير الصادرة في عام 2024 إلى أن الدولة حققت نسبة اكتفاء بلغت 78% من التمور.
والإنجاز ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة عمل دؤوب شمل زيادة عدد المزارع وتحسين جودة الإنتاج.
| المؤشر الزراعي | القيمة المسجلة (2024) | الطموح الاستراتيجي 2030 |
| نسبة الاكتفاء الذاتي | 78% | %95 |
| الإنتاج السنوي الإجمالي | 32,000 طن | 40,000+ طن |
| إجمالي عدد المزارع المسجلة | 1322 مزرعة | 1,500 مزرعة |
| المزارع المنتجة للتمور | 923 مزرعة | 1,100 مزرعة |
| مساحة الأراضي المنزرعة بالنخيل | 2235 هكتاراً | 3,000+ هكتار |
| عدد أشجار النخيل داخل المزارع | 671,000+ شجرة | 1,000,000 شجرة |
ويظهر التحليل الإحصائي أن قطر تقترب من عتبة الـ 95% من الاكتفاء الذاتي، وهو الهدف الذي وضعته وزارة البلدية لتحقيقه بحلول عام 2030.
هذا النمو في الإنتاج (32 ألف طن سنوياً) يعكس كفاءة استخدام الموارد المائية المحدودة وتوظيف التكنولوجيا الزراعية في تحسين إنتاجية النخلة الواحدة.
الأصناف المحلية
تتنوع أنواع التمور في قطر لتشمل أكثر من 20 صنفاً رئيساً، تختلف في مظهرها، ومذاقها، وقوامها، مما يجعلها تلبي تطلعات كافة المستهلكين.
وتعد أصناف الخلاص، الشيشي، والخنيزي هي الأكثر شهرة والأعلى جودة في المزارع المحلية.
تمر الخلاص: المعيار الذهبي للجودة
ويعد “الخلاص” التمر المفضل في قطر ودول الخليج، ويتميز بلونه الأصفر الكهرماني الذي يميل إلى الذهبي عند النضج الكامل.
ويتميز بمذاق حلو معتدل يشبه الكراميل، وقوام ناعم وطري يذوب في الفم، وقشرة رقيقة ملتصقة باللب بشكل مثالي. اقتصادياً، يعتبر الخلاص العمود الفقري للصناعات التحويلية مثل الدبس، نظراً لنسبة السكريات المتوازنة فيه وقدرته العالية على تحمل التخزين الطويل دون فقدان خصائصه.
تمر الشيشي والخنيزي والبرحي
يمثل صنف “الشيشي” الخيار الثاني للمستهلك القطري، إذ يتميز بلونه البني المحمر وحجمه المتوسط، وهو مفضل للاستهلاك في مرحلة “الرطب”.
أما “الخنيزي”، فيعرف بلونه الأحمر الداكن ومذاقه القوي المميز، ويحظى بطلب كبير في المهرجانات المحلية، حيث تُنظم له مسابقات خاصة لأفضل سلة رطب.
ولا يمكن إغفال “البرحي”، الذي يشتهر بحلاوته الفائقة في مرحلة “البسر” (اللون الأصفر)، حيث يكون مقرمشاً وخالياً من المذاق القابض، ويتحول إلى ذهبي لين عند نضجه التام.
الأصناف المحلية الأخرى ومميزاتها
تضم القائمة القطرية أيضاً أصنافاً مثل “الزهدي” الذي يميل لونه للبني الفاتح ويتميز بقوام متماسك وطعم لذيذ.
و”الخضري” الذي يمتاز بحجمه الكبير ولونه الذي يميل للأخضر المصفر قبل النضج الكامل، وطعمه الحلو الذي لا يضاهى.
كما تشمل القائمة أصنافاً أقل انتشاراً ولكنها ذات قيمة تراثية مثل “نبوت سيف”، “السلج”، “الصفري”، و”الصفاوي المحلي”.

سوق التمور المستوردة
على الرغم من قوة الإنتاج المحلي، يظل السوق القطري وجهة عالمية لأرقى التمور من الدول المجاورة والبعيدة، مما يثري مائدة المستهلك بأصناف ذات خصائص فريدة.
التمور الأردنية والفلسطينية
شهدت مستوردات قطر من التمور الأردنية نمواً ملحوظاً بنسبة 6.6% في عام 2024، إذ بلغت 128 طناً.
ويتربع تمر “المجدول” (أو المجهول) على عرش التمور المستوردة، ويُلقب بـ “ملك التمور” نظراً لحجمه الضخم، لونه الداكن، وقوامه الغني الذي يشبه الكراميل. تستهلك قطر المجدول الأردني والفلسطيني بجودة عالية وأسعار تتناسب مع قيمته الفاخرة، خاصة في المواسم التي تسبق رمضان.
التمور السعودية
تعتبر المملكة العربية السعودية أكبر مصدر للتمور الفاخرة للسوق القطري، حيث توفر أصنافاً مثل “عجوة المدينة” التي تحظى بمكانة دينية وصحية رفيعة، و”السكري” المعروف بطعمه العسلي ولونه الذهبي الفاتح. كما يدخل “الصقعي” و”المبروم” السعودي كخيارات أساسية في العلب الفاخرة والهدايا.





